ابن كثير
213
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إنما يتبعون أهواءهم ، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة ، فحرفوها وبدلوها وخالفوا أوامرها وأولوها ، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [ المائدة : 44 ] : ولهذا قال تعالى : وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ قال السدي عن أبي مالك : أتبعنا ، وقال غيره : أردفنا والكل قريب كما قال تعالى : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [ المؤمنون : 44 ] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم ، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام ، ولهذا أعطاه اللّه من البينات وهي المعجزات ، قال ابن عباس من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن اللّه ، وإبراء الأسقام ، وإخباره بالغيوب ، وتأييده بروح القدس وهو جبريل عليه السلام - ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به ، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له ، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض ، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آل عمران : 50 ] ، فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء أسوأ المعاملة ، ففريقا يكذبونه ، وفريقا يقتلونه ، وما ذاك إلا لأنهم يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم ، وبالإلزام بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها ، فلهذا كان ذلك يشق عليهم فكذبوهم ، وربما قتلوا بعضهم ، ولهذا قال تعالى : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ . والدليل على أن روح القدس هو جبريل ، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية ، وتابعه على ذلك ابن عباس ومحمد بن كعب وإسماعيل بن خالد والسدي والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة مع قوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 193 ] ما قال البخاري « 1 » وقال ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن عروة عن عائشة : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد ، فكان ينافح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك » فهذا من البخاري تعليقا . وقد رواه أبو داود في سننه عن ابن سيرين والترمذي ، عن علي بن حجر وإسماعيل بن موسى الفزاري ، ثلاثتهم ، عن أبي عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه وهشام بن عروة ، كلاهما عن عروة ، عن عائشة به . قال الترمذي : حسن صحيح ، وهو حديث أبي الزناد ، وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : أن عمر بن الخطاب مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد ، فلحظ إليه فقال : قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال أنشدك اللّه ، أسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أجب عني اللهم أيده بروح القدس » فقال : اللهم نعم ، وفي بعض الروايات : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال لحسان
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( صلاة باب 68 ؛ وبدء الخلق باب 6 )